الأحد، 1 أغسطس 2021 05:42:38 مـ
مراية
  • إعلان
  • إعلان
زي انهاردة

زي النهاردة .. تنحي عبد الناصر بعد هزيمة 67 التي أصبحت نكسة

مراية

قبل خمسين عامًا، تحديدًا مساء التاسع من يونيو 1967، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تنحيه عن الحكم، بعد ما جرى في 5 يونيو، وفي كتاب «الانفجار» يسرد محمد حسنين هيكل، كاتب خطاب التنحي، كواليسه، فيقول إن عبد الناصر اتصل به مساء 8 يونيو، يسأله عن القرار المناسب الآن، ليخبره هيكل بأنه لم يتبق بعد الهزيمة سوى الاستقالة، وكان رده: «غريبة.. هذا ما فكرت فيه ، ثم طلب منه أن يكتب خطاب استقالته للأمة.
لماذا النكسة وليس الهزيمة؟
أحد أهم الأسئلة المرتبطة بخطاب التنحي، وإلى اليوم لا تزال هناك انتقادات لاستخدام هذا المصطلح نظرًا لما فيه من تهوين وعدم توصيف دقيق لحقيقة ما جرى في هزيمة 5 يونيو. فكيف تحولت الهزيمة إلى نكسة؟
يسرد هيكل تفاصيل مناقشة دارت بينه وبين عبد الناصر، حول اختيار «النكسة» تحديدًا لوصف ما حدث، فيقول : استوقفني عبد الناصر وأنا أقرأ له مشروع الخطاب عند الجملة التي ورد فيها تعبير النكسة لأول مرة، وهي «لا نستطيع أن نخفي على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الأيام الأخيرة»، وسألني: لماذا اخترت تعبير نكسة؟ وأضاف أنه «مستريح مع الكلمة» لكنه يريد أن يكون واثقًا من سلامة اختيارها. رد هيكل عليه قائلًا: «توقفت كثيرًا قبل أن أستقر عليها، كان أمامي أن أختار بينها وبين (صدمة) ووجدتها أقل من اللازم، و(هزيمة) ووجدتها أسوأ من اللازم، ثم (نكسة) وقد أحسست مثلك بأني مستريح معها».

ربما لا يعرف كثيرون أن خطاب التنحي لم يكن عبارة عن تلك الجملة القصيرة الشهيرة التي قال فيها عبد الناصر: «إنني على استعداد لتحمل المسئولية كلها، ولقد اتخذت قرارًا أريدكم جميعًا أن تساعدوني عليه.. لقد قررت أن أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر».
لقد امتد الخطاب 25 دقيقة، بواقع 1633 كلمة، وهو ما يعد استثناءً في مثل هذه المناسبات التي تتطلب وقتًا أقل بكثير يعلن فيه المسؤول بشكل صريح الاستقالة، ولعل قرار «تخلي» مبارك عن منصب رئيس الجمهورية، على لسان عمر سليمان، في 11 فبراير 2011، والذي لم يستغرق سوى أقل من دقيقة، يوضح لنا الصورة، فهل أراد فعلًا عبد الناصر تقديم استقالته في خطاب مدته 25 دقيقة ؟
ما يزيد الأمر غرابة، الموقع الذي برزت فيه لحظة التنحي داخل الخطاب، قبلها مباشرة تحدث عبد الناصر عن خطة عمل ما بعد «النكسة»، وبعدها مباشرة سرد إنجازات 23 يوليو، وكأن هيكل أراد لكلمات التنحي أن تقع بين خطة عمل مستقبلية تزيل آثار العدوان وتضمد الجراح، وتذكير الشعب بمنجزات «الثورة» خاصة في المجال الاقتصادي.
يقول عبدالناصر قبل إعلان تنحيه مباشرة: «أمامنا الآن عدة مهام عاجلة، المهمة الأولى أن نزيل آثار العدوان… المهمة الثانية أن ندرس درس النكسة».
وبعد إعلان التنحي مباشرة يقول: «لقد حقق جيل الثورة جلاء الاستعمار البريطاني، وحقق استقلال مصر، وحدد شخصيتها العربية، إلى آخر الإنجازات التي تغنى بها نظام 23 يوليو .

3. استخدم عبد الناصر، خلال الخطاب، عدة مفردات لوصف ما حدث في 5 يونيو، كرر 4 مرات مصطلح «النكسة»، ومصطلح «أزمة» مرتين، ومصطلح «محنة» مرة واحدة، ومصطلح «مؤامرة» مرة واحدة، ومصطلح «ظروف عصيبة» مرة واحدة. وكلها كلمات لا ترقى لوصف حقيقة ما كان يعلمه عبد الناصر عن خسائر الجيش المصري، معظم هذه الكلمات جيدة تمامًا لوصف انهيار عمارة على رأس ساكنيها.

مظاهرات «ناصر»: مدبرة أم تلقائية؟
بين «مدبرة»، «تلقائية»، ذهب اتجاهان رئيسيان في تفسير المظاهرات التي خرجت مساء 9 يونيو و10 يونيو تطالب «الزعيم الأوحد» بالبقاء، كما قالت أم كلثوم «ابقَ فأنت الأمل الباقي».
«التاريخ سيجد من يكتب عن مسرحية 9 يونيو التي شاهدتها بنفسي وشاركني في مشاهدتها كل من حسن إبراهيم وعبد اللطيف البغدادي، ولكنه الشعب الطيب، الشعب الساذج»، هكذا قال صراحة رشوان فهمي، نقيب أطباء مصر وأستاذ طب العيون. (سامي جوهر، ص218)
ويروي حسن إبراهيم، عضو مجلس قيادة الثورة، شهادته قائلًا: «حقيقة كانت مسرحية، كنت جالسًا في حديقة المنزل برفقة فهمي والبغدادي ننتظر سماع بيان عبد الناصر وأمامنا جهاز التليفزيون، وبينما نحن جالسين وصلت إلى أسماعنا أصوات جماهير تتحرك وتهتف «عبد الناصر»، ولم يكن البيان قد أُذيع بعد، أرسلت السائق لاستطلاع الأمر فأبلغنا أن لوريات تحمل المئات من الشباب تنزلهم في فناء مدرسة مصر الجديدة الثانوية على مسافة مائتي متر من منزلي، وبدأ عبد الناصر يذيع بيانه، وعندما جاءت فقرة قراراه بالتنحي فوجئنا بأصوات الهتافات والمئات الذين كانوا مجتمعين في فناء المدرسة يخرجون راكضين متجهين ناحية منشية البكري حيث منزل الرئيس».
ومن بين هؤلاء الذين يرون أن مشهد 9 يونيو لا يعدو كونه مسرحية مدبرة أيضًا، عبد اللطيف البغدادي، أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، فيقول في مذكراته: «بعد انتهاء خطاب عبد الناصر مباشرة سمعنا الهتافات، ورأينا تحركات شباب الاتحاد الاشتراكي في الأوتوبيسات واللواري، وهو ما يعني أن الأمر كان مدبرًا من قبل»
يقول حسنين هيكل في شهادته: «ما حدث في 10 يونيو مليء بالمفاجآت المدهشة للدنيا كلها، خرجت كُتل من الناس فور انتهاء جمال عبد الناصر من إلقاء خطاب التنحي تطالبه بأن يبقى مكانه وأن يواصل عمله. خرجت الجماهير في كل بلد عربي تصر على مواصلة القتال وتحت قيادة عبد الناصر»..
في نهاية هذا المقال، يمكننا القول إن مظاهرات 9، 10 يونيو التي رفضت تنحي عبد الناصر، بعد هزيمة 5 يونيو، لم تكن بمعزل عن مشهد الهزيمة ذاته، بل جزء أصيل منه، وتعبير صادق عنه، على أساس إدراكنا أن هذه الهزيمة مجتمعية وسياسية في المقام الأول قبل أن تكون عسكرية، فالمصير الذي كان ينتظر مصر في 5 يونيو، سِيقت إليه على مدار سنوات طويلة، عبر أيديولوجية تقديس الحاكم الفرد الذي رسختها أجهزة الدولة والإعلام في عقول وقلوب ونفوس الوعي الجمعي للجماهير.
وبالتالي مشهد 9 يونيو ما هو إلا تكريس لما أرادوا نفيه، فالديكتاتورية هي التي ساقت الجماهير إلى التمسك بالرجل الأوحد الذي تم تمجيده وتصويره على أنه إله لا يخطئ، قادر على تحطيم العدو بإصبع واحد، فهي لم تعرف غيره ولا توجد لديها أي إمكانيات أو مؤهلات لمعرفة أو استكشاف غيره فضلًا عن انعدام الرغبة في ذلك، لقد أدركت الجماهير، أو أُريد لها أن تدرك، أن هذا الرجل الذي تزين صورته حيطانهم، هو أب في المقام الأول، ونحن لم نعرف ابنًا نصّب لأبيه محاكمةً على أخطائه مهما كانت جسيمة ، ومن وقتها لا يحاكم أحد مهما أخطأ ، فلا خطأ أو خطيئة أكبر من هزيمة عسكرية أضاعت الكرامة ، فلما لا لا يخطىء بل يُجرم الحكام بدون حساب أو عقاب وكما قال فايز حلاوة في فيلم الكرنك .. والله انتوا شعب طيب .

    x
    upload/press/iNFO/rss/rss15.xml x0n not found
إعلان
إعلان